الشيخ محمد رشيد رضا
305
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
العلماء منها استحبابه شرعا ، وفهم آخرون من بعض آخر كراهته بالسواد ، بل قال المشددون منهم بتحريمه فصار المقلدون لهم ينكرون على فاعله ويعدونه عاصيا للّه تعالى ، فخالفوا هدي السلف في المسألة وفي القاعدة العامة وهي عدم الانكار في المسائل الاجتهادية التي وقع فيها الخلاف فمن الاخبار في المسألة ما ورد في الصحيح أن أبا قحافة والد أبي بكر الصديق ( رض ) جاء أو أني به يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة « 1 » بياضا فقال رسول اللّه ( ص ) « غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد » فاستدل الشافعية بهذا الحديث على تحريم الصبغ بالسواد مع أن الحديث في واقعة عين تتعلق بأمر عادي فلا هي من مسائل الحرام والحلال ولا من المسائل التي يعتبر فيها العموم كما هو مقرر في الأصول ، وهي مع ذلك معارضة باطلاق الامر بصبغ الشيب الموجه للأمة وهو قوله ( ص ) « ان اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم » رواه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة - وبقوله ( ص ) « ان أحسن ما غيرتم به هذا الشيب الحناء والكتم » وظاهره تغييره بهما معا والا لقال أو الكتم ، ويؤيده ما صح عن أبي بكر الصديق ( رض ) انه كان يخضب بالحناء والكتم معا ، وقد حقق العلامة ابن الأثير أن الخضاب بهما معا يكون اسود وقال بعضهم انه اسود يضرب إلى الحمرة أي ليس حالكا ، والجمع بين القولين أنه يكون شديد السواد إذا كان قويا مشبعا ويضرب إلى الحمرة إذا كان خفيفا وهو اسود على كل حال وذكر بعض العلماء أن سبب امر النبي ( ص ) باجتناب السواد في تغيير شيب أبي قحافة انه لم يستحسنه لشيخ بلغ من الكبر عتيا وكان شعر رأسه ولحيته كالثغامة في شدة بياضه كله ، ومن رجع إلى ذوق البشر العام أدرك أن السواد لا يليق بمثله ويؤيده ما ذكره الحافظ في الفتح عن ابن شهاب الزهري أنه قال : كنا نخضب بالسواد إذ كان الوجه جديدا فلما نفض الوجه والأسنان تركناه اه ولمثل هذه الخصوصيات قال الأصوليون أن وقائع الأعيان لا عموم لها وذكر الحافظ في الفتح أيضا ان الذين أجاروا الصبغ بالسواد تمسكوا بالامر المطلق بتغييره مخالفة للأعاجم ( وقال ) وقد رخص فيه طائفة من السلف منهم سعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر والحسن والحسين وجرير وغير واحد ( أي من الصحابة ) أقول وقد نقل النووي في شرح الحديثين من صحيح مسلم عن
--> ( 1 ) الثغام بالفتح نبت له نور أبيض شديد البياض واحدته ثغامة